ابن تيمية
15
مجموعة الفتاوى
مِن الإِهْلَاكِ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا ذَهَبُوا لِيَحْصُدُوا بَلْ سَلَبُوا الْقُدْرَةَ عَلَيْهَا - وَهِيَ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ - فَانْتَفَتْ لِانْتِفَاءِ الْمَحَلِّ الْقَابِلِ ؛ لَا لِضَعْفِ مِن الفَاعِلِ وَفِي تِلْكَ قَالَ : { عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ } وَلَمْ يَقُلْ قَادِرِينَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَإِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِمْ قَادِرِينَ أَيْ لَيْسَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا يُنَافِي الْقُدْرَةَ : كَالْمَرَضِ وَالضَّعْفِ وَلَكِنْ بَطَلَ مَحَلُّ الْقُدْرَةِ كَاَلَّذِي يَقْدِرُ عَلَى النَّقْدِ وَالرِّزْقِ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ . وقَوْله تَعَالَى { مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ } فَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَا كَسَبُوا وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ يَقْدِرُ عَلَى مَا كَسَبَ فَالْمُرَادُ بِالْمَكْسُوبِ الْمَالُ الْمَكْسُوبُ . وقَوْله تَعَالَى { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً } فَلَمَّا ذُكِرَ فِي الْمَمْلُوكِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَقْصُودُهُ أَنَّ الْآخَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ هَذَا وَهُوَ إثْبَاتُ الرِّزْقِ الْحَسَنِ مَقْدُوراً لِصَاحِبِهِ وَصَاحِبُهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَبِهَذَا يَنْطِقُ عَامَّةُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ : فُلَانٌ يَقْدِرُ عَلَى كَذَا وَكَذَا وَفُلَانٌ يَقْدِرُ عَلَى كَذَا وَكَذَا وَمَقْدِرَةُ هَذَا دُونَ مَقْدِرَةِ هَذَا .